الرأي والتحليل

محمد عثمان الرضي يكتب: في كواليس السياسة.. حوار مع مستشار يرى السودان أقرب إلى فجره الجديد

للمرة الأولى في مسيرتي الصحفية أجد نفسي وجهاً لوجه مع مستشار رئيس الوزراء السياسي، الزميل الصحفي محمد محمد خير، داخل مقر إقامته بفندق قراند هوتيل عند مدخل مدينة بورتسودان، العاصمة الإدارية المؤقتة لجمهورية السودان. لقاء لم يكن عابراً، بل جاء محمّلاً بدلالات تتجاوز المكان والزمان.
منذ اللحظة الأولى بدا أن الجلسة ليست مجاملة بروتوكولية، بل مساحة مفتوحة لحوار هادئ وشفاف، تناول قضايا السودان الكبرى بلا حواجز، في السياسة والاقتصاد والمجتمع، وبمنطق يحاول البحث عن المخارج لا تسجيل النقاط.
ما لفت انتباهي أكثر من أي شيء آخر، ذلك التفاؤل اللافت الذي يسيطر على المستشار وهو يتحدث عن مستقبل البلاد، وإيمانه العميق بأن معركة الكرامة تقترب من نهاياتها، وأن السودان بات على مسافة أقرب مما نتصور من عبور هذا النفق الطويل.
المستشار محمد محمد خير ليس وجهاً طارئاً على المشهد. هو خريج جامعة الخرطوم، كلية الآداب، دفعة 1979، زمن كانت فيه الجامعة مصنعاً للأفكار الكبيرة والنقاشات العميقة.
في العام 1989، وبعد انقلاب ثورة الإنقاذ الوطني، دفع الرجل ثمن مواقفه السياسية بوضوح. فُصل من عمله بتلفزيون السودان، ثم أُودع المعتقل قرابة عامين، في واحدة من محطات القمع التي طالت كثيرين من أصحاب الرأي.
كان أحد كوادر الجبهة الديمقراطية، واجهة التيار اليساري آنذاك، ولم يُخفِ يوماً انتماءه السياسي المعارض للإسلاميين، وهو انتماء كلّفه كثيراً، لكنه لم يندم عليه كما بدا من حديثه.
وعلى الرغم من تلك القطيعة القاسية، انتهجت الحكومة السابقة بقيادة الجنرال عمر البشير لاحقاً سياسة الانفتاح السياسي على مختلف المعارضين والمناوئين لها، وكان من ثمارها استيعاب الزميل محمد محمد خير ملحقاً إعلامياً بسفارات السودان في عدد من الدول العربية.
بدأت تلك التجربة من دولة الإمارات العربية المتحدة، واختتمت بدولة قطر، حيث استطاع بخبرته المهنية وكفاءته الإعلامية أن يلعب أدواراً متعاظمة في عكس صورة السودان المشرقة، مقدماً نموذجاً للإعلامي الدبلوماسي القادر على بناء الجسور لا هدمها.
كانت تلك المرحلة محطة مفصلية ومهمة في حياته، استفاد منها على المستوى المهني والإنساني، وفي المقابل أفاد وطنه بخبرة راكمها في واحدة من أكثر البيئات السياسية والإعلامية تعقيداً.
بعد ذلك، ومع تعقّد المشهد وضيق مساحات الحرية، اختار الهجرة القسرية حفاظاً على حياته، فاتجه إلى كندا حيث نال حق اللجوء ثم الجنسية، ليصبح مواطناً كندياً كاملاً، دون أن تنقطع صلته بالوطن أو تنطفئ جذوة اهتمامه بالشأن السوداني.
الظروف الصحية القاهرة والعلاج المستمر فرضت عليه البقاء خارج البلاد، لكنه قبل أن يكون مستشاراً سياسياً لرئيس الوزراء من موقع البُعد، مقدماً النصح والإرشاد، ومؤمناً بأن خدمة الوطن لا تشترط الحضور الجسدي.
خلال الحوار، كان المستشار يكرر بثقة لافتة أن عام 2026 سيكون عام المصالحات الوطنية والانفتاح السياسي، وأن السودان مقبل على مرحلة جديدة تتسع لكل ألوان الطيف السياسي دون عزل أو إقصاء.
هذا الإيمان لم يكن مجرد أمنيات، بل مبنياً – بحسب حديثه – على معطيات واتصالات وعلاقات قديمة متجددة، استطاع عبرها أن يفتح نافذة واسعة أمام رئيس الوزراء للولوج إلى عالم السياسة المعقد بأدوات أكثر فهماً وواقعية.
العلاقات التي راكمها الرجل عبر عقود، مع قوى سياسية متباينة المشارب، منحته قدرة نادرة على قراءة المشهد وتقديم المشورة بعيداً عن الانحيازات الضيقة أو الحسابات الصغيرة.
في المقابل، بدا واضحاً أن رئيس الوزراء السوداني، البروفيسور كامل الطيب إدريس، في أمسّ الحاجة إلى مستشارين حقيقيين، لا يكتفون بالألقاب ولا يقتصر دورهم على تزيين المشهد، بل يعينونه فعلاً على حمل أعباء المرحلة.
المستشار السياسي، رغم كفاءته العالية، لا يمكن أن يكون وحده كافياً في مرحلة بهذه التعقيدات. فالحكم الرشيد، كما يقول أهل الخبرة، هو نتاج عمل جماعي لعقول متنوعة وتجارب متراكمة.
المعايير الحقيقية لاختيار المستشارين يجب أن تقوم على الكفاءة والثقل الاجتماعي والتجربة الثرية، لا على العلاقات الشخصية أو نظام الشلليات والمصالح الذاتية.
السودان لا ينقصه الذكاء ولا الكفاءات، بقدر ما تنقصه الجرأة في الاختيار الصحيح، والقدرة على الاستماع لأصحاب الرأي المختلف.
اللقاء مع محمد محمد خير لم يكن مجرد دردشة صحفية، بل نافذة على عقل سياسي خبر الانكسار والمنفى، ولم يفقد رغم ذلك إيمانه بالوطن.
خرجت من الفندق وأنا أوقن أن السياسة، مهما قست، تظل في جوهرها حواراً، وأن الأوطان لا تُبنى بالصوت العالي وحده، بل بالعقل البارد والأمل الذي لا يموت.

هشام احمد المصطفي(ابوهيام ) رئيس التحرير

من أبرز المنصات الإلكترونية المخصصة لنقل الأخبار وتقديم المحتوى الإعلامي المتنوع والشامل. تهدف هذه المنصة إلى توفير الأخبار الدقيقة والموثوقة للقراء في جميع أنحاء العالم العربي من خلال استخدام التكنولوجيا الحديثة والأساليب المبتكرة في عرض الأخبار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى